محمد أبو زهرة

1553

زهرة التفاسير

هذه إجابة الدعاء المتكرر الذي ابتهلوا به لربهم ، وقد تكررت ضراعتهم للّه تعالى بتكرار كلمة ( ربنا ) ، إذ قد تكررت خمس مرات ، وقد قال الحسن البصري : ( ما زالوا يقولون ربنا حتى استجاب لهم ) وقال الإمام جعفر الصادق : ( من حزبه أمر ، فقال خمس مرات ( ربنا ) أنجاه اللّه مما يخاف ، وأعطاه ما أراد ، قيل : وكيف كان ذلك ؟ قال : اقرءوا إن شئتم : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 191 ) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 192 ) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ ( 193 ) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ ( 194 ) [ آل عمران ] والمراد من قول حفيد الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن نذكر ( ربنا ) ضارعين خاضعين خاشعين ، مدركين معنى الربوبية والألوهية ، ومذعنين لأحكامه . فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى الفاء للترتيب ، فالاستجابة معقبة لهذا الدعاء الضارع ، والاستجابة معناها هنا الإجابة ، وأصل معنى الاستجابة التحري والتهيؤ للجواب ، وإذا كان معناها هنا الإجابة ، فالمؤدى أنها إجابة مهيأة معدة لهم قد محصوا قبلها ، وإجابة اللّه لهم دليل على استحقاقهم لرحمته ، وقد أجابهم سبحانه إجابة تدل على كمال عدله ، فقد قال سبحانه : أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ فإذا كان سيجزيهم الجزاء الأوفى فلأنهم عملوا خيرا ، وسبحان اللّه الشاكر العليم ، هم يطلبون الجنة منحة من اللّه ، لأنهم لا يعتقدون أن عملهم يدخلهم الجنة استصغارا لأعمالهم بجوار نعمة رب العالمين عليهم ، واللّه الكريم المنان يبين لهم أن ما ينالون من خير من عملهم ، وأن اللّه إذا لم يثبهم لكان مضيعا لعمل الخير الذي قاموا به ، وإن اللّه لا يضيع أجر من أحسن عملا ، ففي الآية الكريمة إشارة إلى عدله ورحمته ، وبيان القانون الأمثل للعدل ، وهو أن يكون الجزاء من جنس العمل فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ( 8 ) [ الزلزلة ] .